القاضي عبد الجبار الهمذاني
59
متشابه القرآن
على قلبه ، وربما تجاوزوا ذلك إلى أن قالوا : إنه ميت لا يعقل ولا يفهم ، وقد قال تعالى : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ « 1 » في هذا المعنى ، وقد قال الشاعر : لقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادى « 2 » وربما شبهوه « 3 » بالحمار والبهيمة ، لذهابه عن فهم ما أورد عليه . وكل ذلك يبين صحة ما قلناه . ثم يقال للقوم : إنه تعالى وصفهم بذلك على طريقة الذم ، ولو كان ذلك حقيقة ، لما صح أن يذمهم ، وقد قال عز وجل : فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ [ 18 ] فنسب ترك الرجوع إليهم ، وذلك لا يصح لو كان قد منعهم . 22 - مسألة : قالوا : وقد قال عز وجل : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً فخبر بأنه يضل الضال ويهدى المهتدى ، وفي ذلك دلالة على أن الهدى والضلال جميعا من فعله . ولا يصح أن تتأولوا ذلك على الهدى بمعنى البيان ، والضلال « 4 » بمعنى الذهاب عن الطريق ، لأنه عز وجل ذكر ذلك « 5 » عقيب قوله : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها إلى أن قال : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً « 6 » يعنى بما تقدم من ضرب المثل ، وَيَهْدِي بِهِ . وفي ذلك دلالة على أن « 7 » المراد به الكفر والإيمان بالمثل . ولو كان المراد بالهدى البيان لما قال أيضا : ويهدى به كثيرا ؛ لأن الدلالة في المكلفين عامة ! والجواب عن ذلك لا يكاد يتضح إلا بذكر جملة من الكلام في الهدى
--> ( 1 ) سورة النمل : 80 ، وقد جاءت في الأصل : ( إنك لا تسمع الصم الدعاء ) ، والجملة من قوله : « ولا يفهم » ساقطة من ف . ( 2 ) انظر وضح البيان لأبى القاسم محمد بن حبيب النيسابوري ، مصور دار الكتب ورقة ( 13 ) . ( 3 ) في د : شبهوا . ( 4 ) في د : والضلالة . ( 5 ) في د : وكذلك . ( 6 ) قال تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها ، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا ، يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ، وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ ) سورة البقرة : 26 . ( 7 ) ساقطة من د .